اسماعيل بن محمد القونوي

218

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

[ الحجر : 42 ] وإن جعل الاستثناء متصلا فيدفع قول من شرط أن يكون المستثنى أقل من الباقي لافضائه إلى تناقض الاستثناءين انتهى والمراد بمن شرط أبو بكر الباقلاني من أئمة المالكية قوله تناقض الاستثناءين لأنه جعل الغاوين مستثنى هنا فيكون أقل على هذا الشرط وقد كانوا مستثنى منه فيما سبق فيكون أكثر على هذا الشرط فيكون الاستثناءين متناقضين فإذا لم يكن شرطا فلا جزم بالقلة فلا جرم أنه ضعيف فجعله بمعنى إلا قليلا مجازا بعيد . قوله : ( لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام اسقط آية في قراءته في الصلاة فحسب أبي أنها نسخت فسأله فقال نسيتها أو نفى النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي ) لما روي الخ فهذا الحديث دل على أن المراد بالاستثناء القلة أي قلة النسيان لا النسيان كليا بالنسخ فحينئذ يكون المراد النسيان بلا نسخ فيكون قليلا بالنسبة إلى التذكر فإن ما لم ينسخ يذكر إما دائما أو أكثريا بأن اسقط عن التلاوة نسيانا ولا يخفى ما فيه لأن القصة المذكورة لا تدل على عدم النسخ أصلا بل تدل عليه في هذه الوقعة على أن الإنساء مقطوع به بالنص القاطع فإن أراد القائل أنه لا نسيان بالنسخ ففساده ظاهر وإن أراد أنه قد يكون النسيان بلا نسخ فلا يقابل الوجه الأول لأنه لم ينكر النسيان بلا نسخ بل لم يتعرض له لعدم الاعتداد به لزواله بالتذكير فظهر من هذا البيان ضعف قوله أو نفي النسيان رأسا بطريق الأولوية قوله فإن القلة تستعمل للنفي فالقلة المستفادة من الاستثناء هنا يراد به النفي وقد عرفت بعده قبل والحديث المذكور صحيح رواه البخاري وغيره وكانت الصلاة صلاة الفجر وفي الكشاف والغرض منه نفي النسيان رأسا ولا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في النفي انتهى ولا يعرف له نظير في كلام الفصحاء فضلا عن كلام اللّه تعالى فإن قاعدة الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه ففي جعله بمعنى إلا قليلا ثم جعل القلة بمعنى العدم والنفي يؤدي إلى نقض القاعدة المقررة والقول بأن الاستثناء حينئذ يكون مجازا لا يدفع الاشكال قوله رأسا مفعول مطلق للنفي أي انتفى انتفاء رأسا أي بالكلية وجهه أن الشيء إذا أخذ مع رأسه يفيد أخذ الكل كما أن الشيء إذا أخذ مع أصله أخذ الكل فيفيد أن الانتفاء بالكلية فكونهما مفعولا مطلقا لقيامهما مقامه كما أشير إليه بقوله أي انتفى انتفاء بالكلية ونقل عن بعض شروح الكشاف أنه على هذا التقدير من قبيل ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم والمعنى فلا تنسى إلا نسيانا معدوما وهو النسيان المتعلق بمشيئة اللّه تعالى ولا يظهر له وجه وجيه . قوله : ( ما ظهر من أحوالكم وما بطن ) ما ظهر الخ معنى الجهر ونبه به على أن المراد قوله : أو نفي النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي فهذا كما تقول قل رجل يقول كذا إفادة مثل هذا الاستثناء معنى القلة جارية في العرف فإن المستثنى به أقل من الباقي بعد الاستثناء ثم قد يستعمل مجازا لافادته معنى القلة في النفي فلا يقصد به استثناء فكأنه قيل لا تنسى إلا قليلا في معنى لا تنسى أصلا . قوله : ما ظهر من أحوالكم جعل المصدر أعني الجهر بمعنى المفعول ففسره بما يجهر به بقرينة قرينه وهو وما يخفى وهو بمعنى ما لا يجهر .